التاريخ : 2015-03-17
السعودية تسعى إلى جبهة سنية
الراي نيوز - تسعى القيادة الجديدة في السعودية، وعلى رأسها الملك سلمان بن عبد العزيز، إلى تشكيل جبهة سنية لمواجهة ما تقول إنها مخاطر تهدد أمن دول الخليج، بصفة عامة، والسعودية خاصة، ما دفع الرياض إلى دراسة الخيارات المتاحة لاستثمار العلاقات مع كل من تركيا ومصر لتكوين تلك الجبهة ضمن سياسة التحالفات الخارجية، بحسب مصدرين مطلعين ومحلل سياسي خليجيين، في أحاديث منفصلة لوكالة الأناضول.
المصدران، والمحلل السياسي، اتفقوا على أن نقطة الانطلاق في تشكيل هذه الجبهة، بدأت فعلياً، من خلال تبريد المثلث الساخن المتمثل في القاهرة وأنقرة وغزة، بغرض مواجهة "التمدد الإيراني" و"الإرهاب الداعشي" و"ما تقوم به إسرائيل في الأراضي الفلسطينية".
وقال مصدر خليجي مقرب من دوائر صنع القرار في السعودية إن "الرياض تبحث جميع الوسائل الممكنة لضمان تشكيل جبهة سنية، وهو هدف يعتبر البعض أنه صعب التحقق، لكون المحوران الأساسيان في تلك الجبهة المأمولة، وهما مصر وتركيا، ليسا على اتفاق، وهو ما يتوجب معه تهدئة الأجواء بينهما أولا، قبيل الاعتماد عليهما كحجز زاوية في الجبهة السنة، التي قد تتوسع لاحقا".
وارتطبت أنقرة بعلاقات وثيقة مع القاهرة خلال العام الذي حكمه الرئيس المصري الأسبق، محمد مرسي، المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، ثم تأزمت العلاقات منذ الإطاحة بمرسي، في الثالث من يوليو/ تموز 2013، إثر احتجاجات شعبية مناهضة له، في خطوة يعتبرها أنصاره "انقلابا عسكريا"، ويراها رافضون له "ثورة شعبية" استجاب إليها وزير الدفاع في عهد مرسي، الرئيس الآن، عبد الفتاح السيسي.
المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، مضى قائلا إن "ثمة مؤشرات على وجود رؤية جديدة للقيادة السعودية لاستيعاب جميع القوى الفاعلة في المنطقة، وهو ما سيمكن الرياض من السيطرة على الأوضاع الملتهبة التي تهددها، وأبرزها مخاوف الدعم الإيراني (الشيعي) للحوثيين (جماعة أنصار الله التابعة للمذهب الزيدي الشيعي) في اليمن (الجارة الجنوبية للمملكة العربية السعودية)، وكذلك تهديدات تنظيم داعش في عدد من الدول العربية"، ولا سيما العراق وسوريا، الجارتين الشماليتين للسعودية.
وتعتبر عواصم غربية وعربية، ولاسيما خليجية في مقدمتها الرياض، تحركات الحوثيين، "انقلابا على الرئيس اليمني الشرعي" عبد ربه منصور هادي، الذي غادر العاصمة صنعاء، الخاضعة لسيطرة مسلحين حوثيين، إلى عدن (جنوب)، في الحادي والعشرين من الشهر الماضي، حيث يمارس سلطاته من المدينة الجنوبية.
ويتهم مسؤولون يمنيون طهران بدعم الحوثيين بالمال والسلاح، ضمن صراع بين إيران والسعودية، على النفوذ في عدة دول بالمنطقة، بينها لبنان وسوريا والعراق. وهو ما تنفيه طهران.
لكن المصدر الخليجي استطرد بقوله، لوكالة الأناضول، إن "الرياض تعي جيدا صعوبة المهمة في ظل التوترات بين أنقرة والقاهرة، والتي يتصدرها ملف الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي والإخوان المسلمين، وهو ما دفعها إلى إرسال رسائل مبكرة مع تولي العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز (في يناير/ كانون الثاني الماضي)، وفي مقدمتها تزامن زيارة الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب أردوغان للسعودية" في الأسبوع الأول من الشهر الجاري.
وتتهم السلطات المصرية، جماعة الإخوان المسلمين التي أعلنتها "منظمة إرهابية"، بممارسة "العنف والإرهاب"، ما تنفيه الجماعة، مرددة أنها تلتزم السلمية في احتجاجاتها ضد ما تعتبره "انقلابا عسكريا"، وفي المقابل تتهم السلطات باستهداف أنصار الجماعة، والمعارضين عامة، عبر قوات الأمن والقضاء. وهو ما ترد عليه السلطات بأن القضاء يتمتع بالاستقلال ولا يخضع للسياسة.
ومرارا، اتهم إعلاميون مصريون حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين (حماس)، المحسوبة على جماعة الإخوان، بتنفيذ تفجيرات في شبه جزيرة سيناء (شمال شرق) المجاورة لقطاع غزة، حيث يتركز نفوذ الحركة، وهو ما نفته "حماس" مرارا، مدينة مثل هذه التفجيرات، ومرددة أن سلاحها موجه فقط إلى "الاحتلال الإسرائيلي".
ووفقا لمصدر آخر خليجي، فإن "أحد معوقات تشكيل الجبهة النسية هي التوتر بين القاهرة وحركة حماس.. والرياض تأخذ على عاتقها مهمة تهدئة هذا التوتر بصورة غير معلنة، خشية أي تداعيات سلبية على جهود التقريب بين القاهرة وأنقرة".
محاولا التأكيد على وجهة نظره، أشار المصدر المطلع، الذي طلب عدم نشر اسمه، إلى "فتح السلطات المصرية يوم 8 مارس (آذار) الجاري معبر رفح (الحدودي بين مصر وقطاع غزة) لمدة يومين، وطعن الحكومة المصرية قبل أيام على حكم محكمة مصرية باعتبار حماس منظمة إرهابية". ورحبت "حماس" بطعن الحكومة المصرية، معتبرة إياه، في بيان، "خطوة في الاتجاه الصحيح".
ورأى هذا المصدر، في حديث مع وكالة الأناضول، أنه "لا يمكن تجاهل الربط بين هاتين الخطوتين وبين زيارة السيسي للسعودية، لا سيما عندما توضع هذه الرؤية في سياق تأكيد الملك سلمان في أول خطاب له، بعد استقباله لعدد من قادة الدول العربية والإسلامية، على أن السعودية تسعى إلى تنقية الأجواء العربية والإسلامية".
وبحسب خليل الخليل، وهو محلل سياسي سعودي، وأستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، فإن "هناك مؤشرات وبوادر تدل على أن الرياض تعي صعوبة المهمة التي ستمكنها في النهاية من حشد جميع القوى الفاعلة لجمع كلمة الأمة الإسلامية والنأي بها عن الأزمات الراهنة".
الخليل مضى قائلا، لوكالة الأناضول: "بحسب ما يتوفر لدي من معلومات، فإن المملكة عازمة على العمل مع كل من مصر وتركيا لتوحيدهما في مواجهة المخاطر القادمة، التي تتمثل في كل ما يهدد حدود هذه الدول ومواردها ومصالحها، لا سيما من قبل إيران وتنظيم داعش وإسرائيل، وذلك مهما كانت الصعوبة التي ستواجهها في البداية من أجل تشكيل هذه الجبهة السنية".
تلك الجبهة، بحسب الخليل، "ستضم في البداية القاهرة وأنقرة، على أن تنضم إليهما لاحقا كل من الأردن وقطر وبقية دول مجلس التعاون الخليجي (الإمارات، الكويت، والبحرين، وسلطنة عمان)، حيث إن توسيع تلك الجبهة سيسمح بمواجهة التمدد الإيراني، والإرهاب الداعشي، وما تقوم به إسرائيل في الأراضي الفلسطينية".
وتابع أنه "من أجل ضمان وجود دولتين محوريتين، وهما تركيا ومصر، تقوم المملكة بتفاهمات ذات صلة بالتحالف المأمول، وهو ما ظهر جلياً في زيارة السيسي وأردوغان المتزامنة للسعودية، وهي رسالة مفادهما: أنتم جبهة واحدة للحفاظ على المصالح الحيوية لهذه المنطقة".
الخليل رأى أن "الوسائل التي تتبعها الرياض لتشكيل تلك الجبهة لا تستبعد البقاء على علاقات جيدة مع حركة حماس، بل القيام بتهيئة الأجواء للقاءات ودية بين قيادات حماس وبين الرياض، وهو ما سيساعد الرياض على تحقيق ما تصبو إليه من آمن المنطقة".
والعلاقات بين الرياض و"حماس" ليست في أفضل حالاتها، على خلفية ما يقول إعلاميون مصريون إنه موقف رافض من "حماس" للإطاحة بمرسي، وهو ما يغضب الرياض، الحليف الوثيق للقاهرة منذ رحيل مرسي.
كما يقول مراقبون إن ثمة قلق سعودي من أي تقارب بين "حماس" وطهران، اللتين يجمعهما عدو مشترك، وهو إسرائيل.
وخلال ندوة نظمها مركز الدارسات السياسية والتنموية في غزة (غير حكومي) أمس الأول، قال محمود الزهار، القيادي البارز في "حماس"، إن "السعودية تقود الخليج ودولة عظمى في المنطقة، وتسعى، بسبب التغيرات السياسية وسيطرة الحوثيين على اليمن، إلى علاقة جيدة مع حركة حماس".
وتحدث الزهار عن زيارة مرتقبة للرياض سيقوم بها رئيس المكتب السياسي لحماس، خالد مشعل، مضيفا أن "الحركة معنية بعلاقات جيدة ومستقرة مع السعودية".
وإن حدثت، فستكون زيارة مشعل هي الأولى من نوعها إلى الرياض منذ يونيو/ حزيران 2012.
والدافع وراء تلك التحركات السعودية هو سياسي وليس مذهبي فحسب، وفقا للمفكر والكاتب السياسي المصري المخضرم، فهمي هويدي.
وقال هويدي، في مقابلة مع وكالة الأناضول نشرتها الأسبوع الماضي: "أن يتشكل حشد سني في مواجهة التمدد الإيراني، فهذا ليس المحرك الرئيسي للعلاقات (بين الرياض وغيرها من الدول).. حرص السعودية على توسيع دائرة التحالف يأتي من منطلق الدفاع عن نفسها"، في إشارة إلى المصالح الخارجية للمملكة. الاناضول