التاريخ : 2014-01-14
المالكي يهرب الى الأمام
دراسة: انخفاض شعبية المالكي تعني فشله في الانتخابات القادمة والعملية العسكرية في الأنبار تظهره كحام للطائفة
دفعت طبيعة المواجهات المسلحة في الأنبار ومناطق أخرى في الجغرافية السنية العراقية، والمأزق الذي وجدت الحكومة نفسها فيه بعد أن جرى الزَّجُّ بالجيش في مواجهة أبناء عشائر غرب العراق، برئيس الوزراء نوري المالكي إلى إصدار بيان، في31/12/2013، نُشر على موقع رئيس مجلس الوزراء، أعلن فيه سحْب الجيش من المدن وتسليم إدارتها إلى الشرطة المحلية والاتحادية في استجابة لمطالب النواب المستقيلين. لكنه لم يلبث أن تراجع وقرَّر إبقاء الجيش في مدن الأنبار.
تقدير الموقف الذي نشر أخيرا على موقع المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات قال: "حتى لو جرى فعلًا سحْب الجيش، فإنّ تسليم المدن لقوات الشرطة الاتحادية يعني عمليًّا استمرار هيمنة وزارة الداخلية على القرار الأمني في هذه المحافظات؛ وهيمنة الحكومة المركزية عليها تبعًا لذلك. وهذا الأمر يعني أنه ليس ثمَّة تغيير حقيقي يمكن أن ينتج عن هذا القرار".
تحت عنوان: "سياسات المالكي: السعي للخلاص الفردي على حساب العراق" يقول المركز العربي ان المالكي وضع نفسه في مأزق حقيقي، فالمواجهة القائمة اليوم لن تتيح له الخروج من الأنبار بالسهولة نفسها التي دخل إليها، فلاإمكان للعودة إلى لحظة ماقبل "اعتقال" النائب العلواني وفضّ الاعتصام. ولقد رُفع السلاح في وجه الجيش، وهذه الأسلحة لن تعود إلى مخابئها بسهولة، وخصوصًا في ظل السياسيات الطائفية السَّافرة التي يتبعها المالكي في حشْد مصوِّتيه، وفي تشكيل مؤسَّسات الدولة، ومع الثقة التي تعزَّزت لدى المسلحين بقدرتهم على هزيمة قواته.
وأكثر من ذلك لن يستطيع المالكي إطلاق سراح النائب العلواني نزولًا عند رغبة أبناء عشائر الأنبار؛ لأنّ ذلك يعني عمليًّا خضوع المالكي لإرادة المسلحين، وهو ماسيضرُّ بصورة القائد العنيد التي حرص على رسمها طوال سنوات حكمه؛ مايعني أنّ ذلك سينعكس على حظوظه في الانتخابات المقبلة.
بل إن التقدير يقول ان ما يواجه العراق قد تكون الأحداث التي عقبت تفجير مرقد الإمامين العسكريين عام2006 أمرًا محدودًا، مقارنةً بها، وخصوصًا أنّ الأزمة تنفجر اليوم في ظل أجواء محلية وإقليمية مشحونة بالمشاعر الطائفية.
وقال: مالم تقرِّر القوى السياسية العراقية، وعلى رأسها كتلة المالكي، الدخول في حوار وطني حقيقي وجادٍّ للتفاهم على أسُس بناء الدولة العراقية الجديدة، بعيدًا من الإقصاء والتهميش والنزعات الطائفية، يبدو حتميًّا أنّ العراق يمضي في اتجاه أسوأ السيناريوهات التي يمكن توقُّعها.
اندلاع الشرارة
يقول تقدير الموقف بدأ الأمر بقيام القوات الأمنية العراقية، يوم 30 كانون الأول/ديسمبر 2013، باقتحام ساحة اعتصام الرمادي، وتفريق المعتصمين بالقوة، فاندلعت مواجهات مفتوحة بين قوات الجيش والأجهزة الأمنية التي تساندها من جهة، ومسلحين من أبناء عشائر محافظة الأنبار من جهة أخرى.
واضاف رغم التعتيم المفروض على هذه المواجهات، فإنه غدَا واضحًا، حقيقةً، المأزق الذي تواجهه القوات الحكومية في محيط أصبح معاديًا لها كليًّا. وقد دفع هذا الهجوم ببعض المراجع الدينية السنية، تحديدًا: الشيخ عبدالملك السعدي والشيخ رافع الرفاعي مفتي الديار العراقية، إلى إصدار بيانات شديدة اللهجة تتهم رئيس الحكومة نوري المالكي باتباع سياسات طائفية، وتدعو إلى التصدي للقوات المهاجمة. كما قدّم 44برلمانيًّا عراقيًّا من السنّة استقالاتهم إلى رئيس مجلس النواب، وجاء في بيان الاستقالة الجماعية أنّ مواجهات الأنبار تمثل "حربًا بعيدةً عن الإرهاب، وهي بالتأكيد ليست حرب الجيش ضد الشعب، وليست حرب الشيعة ضد السنة، إنها حرب السلطة، حرب الامتيازات السياسية".
وبدأت عملية فضّ الاعتصام في الرمادي قد بدأت بعد اعتقال النائب في البرلمان العراقي أحمد العلواني، وهو من أبرز زعماء ساحة الاعتصام، بعد اتهامه بالتحريض على العنف والطائفية، وإهانة "الشيعة"، على الرغم من أنّ لجنة تحقيق جرى تشكيلها في مجلس النواب انتهت إلى عدم صحة هذا الاتهام، وخلصت إلى أنّ الألفاظ التي استخدمها النائب العلواني كانت موجهةً أساسًا إلى بعض أعضاء مجلس النواب السنة من أبناء محافظة الأنبار الذين وقفوا موقفًا سلبيًّا من حركة الاحتجاجات. لكن الحكومة لم تأبَهْ باستنتاجات اللجنة البرلمانية.
خلفيات الأزمة
انها سياسة "تدوير الأزمات" كما يقول التقدير التي تعكس فشل النخب التي تحكم العراق منذ الغزو الأميركي، في نيسان 2003، في تسوية القضايا الإشكالية الكبرى التي على رأسها الاتفاق على شكل الدولة، والنظام السياسي، وتوزيع السلطة والثروة بطريقة عادلة عبر إنشاء نظام ديمقراطي أساسه المواطنة، عادت أزمة حركة الاحتجاجات التي بدأتها الأقاليم التي صارت تُسمّى "عربية سنية" قبل أكثر من عام (21كانون الأول/ديسمبر2012) لتتصدر المشهد السياسي.
واضاف كان موقف الحكومة المركزية من هذه الاحتجاجات سلبيًّا منذ البداية؛ إذ اعتمد رئيس الوزراء نوري المالكي سياسة التهديد والترهيب تجاهها، عبر تصويرها بأنها "فتنة" مدعومة من قوى إقليمية. لكنّ هذه السياسة لم تُجْدِ نفعًا في إخراج المحتجين من الساحات والشوارع. فلجأ المالكي إلى التسويف عبر تشكيل لجان حكومية لدراسة المطالب الرئيسة للمعتصمين، وفي الوقت نفسه كان ثمَّة نهْج حكومي واضح للربط بين حركة الاحتجاج وتنظيم القاعدة، وتحديدًا الدولة الإسلامية في العراق والشام، علاوةً على اتهام الفاعلِين الرئيسيِّين في حركة الاعتصام بالتحريض على العنف والطائفية لتبرير إصدار أوامر بإلقاء القبض عليهم بتهم "الإرهاب"؛ مااضطر أغلبهم إلى مغادرة العراق.
لكن الحقيقة – كما يقول التقدير هي أنّ قادة الاعتصامات السلمية الطويلة هذه، هُم أنفسهم من حاربوا تنظيم القاعدة خلال الأعوام السابقة عندما كان الزرقاوي يقود التنظيم، وأطلقت عليهم تسمية "الصحوات". وهم في الحقيقة قادة محلِّيون عشائريون، أو أهليون حلوا محلّ الأحزاب ومؤسسات الدولة المنهارة في مرحلة الاحتلال، يدَّعون الآن أنّ الحكومة المركزية هي حكومة طائفية تابعة لإيران، وأنها تميِّز ضدّ مناطقهم.
أهداف المالكي
ينبه التقدير إلى تراجع شعبية المالكيوتوقعه الفشل في انتخابات مجلس النواب المقرَّرة في 30نيسان/أبريل 2014. ويقول: المالكي كان في حاجة إلى عملية كبرى يستطيع من خلالها تقديم نفسه مرة أخرى على أنه رجل العراق القوي، والمدافع الأول عن شيعة العراق أمام "الوهابيين/ الإرهابيين/ التكفيريين/ البعثيين" إن جرت الانتخابات في موعدها، لكن خياره المفضَّل تأجيل الانتخابات، مايعني التمديد لحكومته في غياب وجود البرلمان، رغم الاشكالات النظرية.