تل أبيب: حزب الله لن يتنازل عن قوّته بالحكومة والشارِع اللبنانيّ لن يتحمّل المُفاوضات الطويلة ولذا ستتأجج الاحتجاجات وستتحوّل إلى حرب شوارع وأسوأ من ذلك.
رأت مصادر سياسيّة رفيعة في تل أبيب أنّ المشكلة في لبنان تكمن في أنّه لا يُمكن لأحد أنْ يقول متى ستنتهي "الظروف الاستثنائية” في بلاد الأرز ، لافتةً إلى أنّ الاحتجاجات في هذا البلد العربيّ مُشابهةً تمامًا لما يجري في العراق من حراكٍ شعبيٍّ يتمثّل في ادعاءٍ رئيسيٍّ واحدٍ وهو "القضاء على السلطة وتغيير النظام”، مُضيفةً أنّه في بيروت وبغداد لم يتمكّن قادة الأحزاب من الاتفاق على هوية الشخص الذي سيتبوأ منصب رئيس الوزراء، بحسب تعبيرها.
وتابعت أنّ "الطريقة” في كلا البلدين متشابهة: في العراق ، فرض الاحتلال الأمريكيّ الطريقة التي قسّمت بها المناصب العليا والوظائف بين المجتمعات الرئيسيّة، الشيعة والسنة والأكراد والأقليات الأخرى، بينما في لبنان كان اتفاق الطائف من العام 1989، حيثُ أنّ هذا الاتفاق أنشأ الهيكل السياسيّ، الذي يُخصِّص لكلّ فئةٍ دينيّةٍ-مذهبيّةٍ عددًا ثابتًا من النواب، وكذلك قسّم الاتفاق المناصب العليا في الحكومة والبرلمان.
وتابعت تل أبيب قائلةً: كان اتفاق الطائف، الذي وقّع 15 عامًا بعد اندلاع الحرب الأهليّة، إنجازًا سياسيًا ومدنيًا غير عاديّ، بعد ذلك تمّ تشكيل الجيش الوطنيّ الذي لا يعتمد، على الأقل رسميًا، على تقسيمٍ طائفيٍّ، ولكنّ توزيع المقاعد في البرلمان أسس لوضعٍ لا تستطيع فيه أيّ فئةٍ دينيّةٍ-مذهبيّةٍ من تشكيل حكومةٍ بدون تحالفٍ مع الطوائف الأخرى، بحسب تعبير المصادر واسعة الاطلاع بالكيان.
ومع ذلك، قال المُستشرِق الإسرائيليّ د. تسفي بارئيل، في صحيفة (هآرتس) العبريّة، قال إنّه بعد مرور 30 عامًا على توقيع الاتفاقية، بات واضِحًا أنّ التوازن السياسيّ أوجد جمودًا سياسيًا واقتصاديًا، وأنشأ نُخبةً سياسيّةً قويّةً، وأثرى القادة السياسيين، وأنشأ البنية التحتيّة للفساد العميقة التي تقود الحكومة ومؤسسات الدولة إلى الهاوية الاقتصاديّة، على حدّ قوله.
ولفت المُستشرِق إلى أنّه حسب الدستور، تحتاج القرارات الأساسيّة، مثل المصادقة على الميزانيّة وتقرير السياسة الخارجيّة والمصادقة على المشاريع الوطنيّة، إلى مصادقةٍ من ثلثي الـ 30 وزيرًا في الحكومة، ويكفي أنْ تحصل كتلةً واحدةً على 11 وزيرًا من أجل منع اتخاذ أيّ قرارٍ، زاعِمًا، نقلاً عن مصادره السياسيّة والأمنيّة الرفيعة بتل أبيب، زاعِمًا أنّ هنا تكمن قوّة حزب الله السياسيّة، رغم أنّ للحزب ثلاثة وزراء فقط في الحكومة، إلّا أنّ الكتلة التي تدعمه تشمل 18 وزيرًا، وبذلك، شدّدّ المُستشرِق الإسرائيليّ، ضمِن حزب الله لنفسه السيطرة على جميع قرارات الحكومة، وهو لا ينوي التنازل عن هذه القوّة الكبيرة.
وتابع المُستشرِق إنّه عندما استقال الحريري في نهاية شهر تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي، ترك لنفسه بابًا مفتوحًا للعودة إلى السلطة، قائلاً إنّه سيوافق على العودة إلى منصب رئيس الوزراء إذا تم تشكيل حكومة تكنوقراط مُستنِدةً على التقسيم الطائفيّ، مُشيرًا إلى أنّه في الأسبوع الماضي، ظهر اسم الحريري مرّةً أخرى كشخصٍ قد يرأس الحكومة الجديدة، لكنّ حسن نصر الله سارع بالإعلان أنّ هذه الحكومة يجب أنْ تمثل جميع قطاعات لبنان بشكلٍ صحيحٍ، وبكلماتٍ أخرى، حكومة من الخبراء لسلب سلطته السياسية، ستُشكّل فقط على جسده، حسب توصيف الخبير الإسرائيليّ.
وشدّدّت المصادر على أنّه في شوارع بيروت، لم يكونوا مستعدين إطلاقًا للاستماع لعودة الحريري إلى منصب رئيس الوزراء، ولا يوجد زعماء يملون على الرئيس ميشيل عون كيفية التصرّف، إذْ أنّ عون نفسه له مصالح سياسيّة واقتصاديّة في الحفاظ على المبنى القائم الذي يمنحه ويمنح حزبه "التيار الوطنيّ الحرّ”، شريك حزب الله، القوة السياسيّة الكبيرة.
وأوضح المُستشرِق أنّ الحل الذي تناقشه السلطة اللبنانيّة حاليًا هو تعيين الحريري في منصب رئيس الوزراء وتعيين وزراء خبراء، شريطة الحفاظ على مفتاحٍ طائفيٍّ يتعارَض مع رغبات الحريري، أي وزير المالية أو وزير الصحة ذو السجل المهنيّ، ولكن لديه أيضًا هوية سياسيّة واضحة.
وخلُص إلى القول، نقلاً عن تسريبات قادة تل أبيب، إنّه في حالة البدء بتطبيق هذا الحل، إذا حدث ذلك، يُتوقَّع أنْ يشمل مُفاوضاتٍ طويلةٍ ومُتعبةٍ قد تستمر لأسابيع، بل لأشهرٍ طويلةٍ، زاعِمًا في الوقت عينه، أنّه في حال بدأت الأطراف بالتفاوض، فإنّ الأمر سيستغرِق وقتًا طويلاً، وبالتالي فإنّ السؤال الذي سيبقى مفتوحًا: إلى أيّ درجةٍ سيكون الجمهور اللبنانيّ على استعدادٍ لانتظار نتائج المفاوضات السياسيّة والامتناع عن مواجهاتٍ عنيفةٍ يُمكِن أنْ تتطوّر إلى حرب شوارع، إذا لم يكُن أسوأ بكثيرٍ من هذا السيناريو، كما قال المُستشرِق الإسرائيليّ، الذي عبّر عن تعويل الكيان على "تدمير” لبنان، ربمّا كما فلعوا في سوريّة، عبر المؤامرة الكونيّة التي حيكت ضدّ "قلب العروبة النابِض” بهدف الحفاظ على أمن إسرائيل والإجهاز على ما تبقّى من فلسطين.
"رأي اليوم”