سارعت صحيفة (هآرتس) العبريّة، التي حثت وبشكلٍ مُكثّفٍ فلسطينيي الداخل على الخروج من بيوتهم والتصويت في الانتخابات التشريعيّة الإسرائيليّة، التي جرت الأسبوع الماضي، صباح اليوم الاثنين إلى نشر الترجمة الحرفيّة والكامِلة للمقال الذي نشره رئيس القائمة المُشتركة (اسمها هكذا وليس القائمة العربيّة)، النائب أيمن عودة، في صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكيّة، حيث وضعته في الصفحة الأولى ونشرته بالبنط العريض.
عودة، قال في مقاله المذكور إنّ قيام القائمة المُشتركة بالتوصية أمام رئيس كيان الاحتلال الإسرائيليّ، رؤوفين ريفلين، أمس الأحد، بتكليف الجنرال في الاحتياط ورئيس حزب (أزرق-أبيض)، بيني غانتس، بتشكيل الحكومة الإسرائيليّة القادِمة، هذه التوصية، شدّدّ النائب عودة، تحمِل في طيّاتها رسالةً حادّةً كالموس: المُستقبل الوحيد الذي يضمن بقاء إسرائيل هو المُستقبل القائم على الشراكة بين اليهود والعرب، لافتًا في الوقت عينه إلى أنّ حكومة إسرائيل فعلت كلّ ما في بوسعها من أجل رفض النواب العرب، ولكننّا، شدّدّ النائب العربيّ في الكنيست الإسرائيليّ، سنكون حجر الزاوية في الحفاظ على الديمقراطيّة، مؤكّدًا أنّه في وطننا المُشترك يوجد مكانًا لأشعار محمود درويش ولحكايات أجدادنا، وأيضًا المكان لأنْ نقوم بتربية عائلاتنا في البلاد بسلامٍ ومُساواةٍ، على حدّ تعبيره.
وأقّر النائب عودة أنّه والزملاء في القائمة المُشتركة اتخذوا القرار بالتوصية بتكليف الجنرال غانتس، الذي قاد العدوان الهمجيّ الإجراميّ على قطاع غزّة في صيف العام 2014، ليس من مُنطلق تأييد الجنرال غانتس وبسياسته المُقترحة، مُشيرًا في السياق عينه إلى "أننّا نعرف ونعلم حقيقة رفض الجنرال غانتس لوعدنا بتحقيق مطالبنا السياسيّة المُحِّقة من أجل مُستقبلٍ مُشتركٍ، وبالتالي فإنّ القائمة المُشتركة، 13 مقعدًا، لن تنضَّم للحكومة القادمة، أكّد النائب عودة في مقاله بالصحيفة الأمريكيّة.
ونشر النائب عودة مُدونّةً قصيرةً على صفحته الرسميّة في موقع التواصل الاجتماعيّ (فيسبوك) قال فيها إنّ شعبنا أنجز 50 بالمائة من الطريق لإسقاط نتنياهو واليمين، ونحن اليوم نواصل الطريق، وتابع عودة قائلاً: اليوم يجب أنْ يعرف كلّ سياسيّ أنّ كلّ تحريضٍ ضدّنا يوجد له ثمن، ثمن باهظ، لافتًا في الوقت عينه إلى أنّهم "فرضوا علينا أنْ نكون ضحية، ولكن لن نقبل أنْ نكون ضحية مستكينة، بل مقاوِمة وقادِرة ومؤثِرة وحاسِمة”، على حدّ تعبيره.
وشدّدّ عودة على أنّ القرار لم يكن سهلاً. كان صعب جدًا.. جدًا. ولكن الناس انتخبتنا كي نقود، ونحن نقود بشجاعة، مُضيفًا في الوقت نفسه أنّه "بقيت أمور تخصّ شعبنا بحياته اليومية مثل العنف والجريمة وهدم البيوت وغيرها…لنا حديث قريب”، اختتم عودة مدونته بالفيسبوك.
إلى ذلك، أجمع الخبراء والمُختّصين والمُحلِّلين في كيان الاحتلال الإسرائيليّ، أجمعوا على أنّ التوصية التي قدّمتها القائمة المُشتركة بتكليف الجنرال غانتس بتشكيل الحكومة هي بمثابة قرارٍ تاريخيٍّ للعرب في إسرائيل منذ 71 عامًا، أيْ منذ النكبة المنكودة، وإقامة إسرائيل على أنقاض الشعب العربيّ الفلسطينيّ، الذي تمّ تشريده وتهجيره في أفظع جريمة ارتُكبت في التاريخ، ذلك أنّ النوّاب العرب في الكنيست الإسرائيليّ كانوا دائمًا على الجدار، ولا يتدّخلون في قضية تشكيل الحكومة ويمتنعون عن التوصية بتكليف هذا السياسيّ أوْ ذاك بتشكيل الحكومة في كيان الاحتلال الإسرائيليّ، لافتين إلى أنّ الردّ الفاتِر من قبل غانتس وحزبه (أزرق-أبيض) لا يعني بأيّ حالٍ من الأحوال أنّهم يرفضون هذه التوصيّة، كما أكّدوا.
عُلاوةً على ذلك، أكّدوا نقلاً عن مصادر حزبيّةٍ رفيعة المُستوى في تل أبيب على أنّه جرت مُفاوضات سريّة بين حزب غانتس والقائمة المُشتركة، الأمر الذي جعل من قضية التوصيّة أمرًا سهلاً وخرج في نهاية المطاف إلى حيِّز التنفيذ، على حدّ تعبيرهم، ومع ذلك، حذّروا من عدم تضخيم الحدث إلى أكبر ممّا هو في الواقع، مُوضحين أنّ القائمة المُشتركة لن تكون في الائتلاف الحكوميّ، إلّا أنّها قررت التوصية بتكليف غانتس للقضاء سياسيًا على نتنياهو، الذي عمل خلال سنوات حكمه الـ10 على إقصاء فلسطينيي الداخل، وسنّ القوانين العنصريّة ضدّهم والقضاء على كلّ فرصةٍ لتجديد "العملية السلميّة” بين الإسرائيليين والفلسطينيين، على حدّ قولهم.
ومن الأهميّة بمكان التشديد على أنّ وزير الأمن السابِق، أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب (إسرائيل بيتنا)، الذي حاز على 8 مقاعد في الانتخابات الأخيرة، ذكَّر مَنْ يتمتّع بذاكرةٍ قصيرةٍ أوْ انتقائيّةٍ أمس الأحد، عندما عقد مؤتمرًا صحافيًا في تل أبيب أكّد فيه على أنّ حزبه اليمينيّ العنصريّ والمُتطرِّف لن يُوصي أمام رئيس دولة الاحتلال بتكليف أحدٍ من المرشحين بتشكيل الحكومة القادمة، وقال إنّ اليهود المُتزمتين (الحريديم) هو الخصوم، فيما النوّاب العرب في الكنيست الإسرائيليّ هم الأعداء، وهذا التصريح يُعيدنا إلى المُرّبع الأوّل: كيان الاحتلال قائم على العنصريّة، والتي ستتفشى أكثر فأكثر لأنّ الاختيار بين المُجرِم نتنياهو والسفّاح غانتس، هو من أصعب الاختيارات لأقليّةٍ قوميّةٍ تعيش في وطنها، فلسطين، وليس في دولتها، إسرائيل.