التاريخ : 2026-09-14
رؤساء مجالس الأمناء الجدد … هل تبدأ الجامعات الأردنية سباقًا نحو التميّز ؟
الدكتور نسيم أبو خضير
في لحظةٍ تحتاج فيها الجامعات الأردنية إلى مراجعةٍ عميقة لدورها ورسالتها ، يبرز السؤال بقوة : كيف سيكون حال جامعاتنا بعد تولّي أصحاب الدولة والمعالي رئاسة مجالس أمنائها ؟ وهل نشهد منافسةً إيجابيةً بين الجامعات في التطوير والتحديث والتميّز ، بحيث تصبح كل جامعةٍ حريصةً على أن تثبت حضورها من خلال الإنجاز لا من خلال الشعارات ؟
إنّ إختيار شخصياتٍ وطنيةٍ ذات خبرةٍ سياسيةٍ وإداريةٍ وأكاديميةٍ لرئاسة مجالس الأمناء ليس مجرد تغييرٍ في الأسماء ، ولا ينبغي أن يكون إنتقالًا بروتوكوليًا للمسؤولية من شخصٍ إلى آخر ، وإنما يمكن أن يكون فرصةً حقيقية لإعادة تعريف دور مجالس الأمناء ، وتحويلها إلى قوةٍ فاعلةٍ في صناعة مستقبل الجامعات .
فالجامعة اليوم لم تعد مجرد مدرجاتٍ وقاعاتٍ ومختبراتٍ وشهادةٍ يحصل عليها الطالب في نهاية سنوات الدراسة ، وإنما أصبحت مؤسسةً لإنتاج المعرفة ، وبناء الشخصية ، وصناعة المهارات ، وتأهيل الإنسان القادر على التعامل مع سوق عملٍ شديد التنافسية ، وعالمٍ تتغير فيه المهن والعلوم والتكنولوجيا بصورةٍ متسارعة .
ومن هنا ، فإنّ مسؤولية رئيس مجلس الأمناء لا ينبغي أن تُقاس بعدد الإجتماعات التي ترأسها ، أو بعدد القرارات التي مرّت عبر المجلس ، وإنما بما تركه من أثرٍ حقيقي في مسيرة الجامعة .
المنافسة التي نريدها ليست على المناصب … وإنما على الإنجاز
نتمنى أن نشهد في المرحلة المقبلة نوعًا جديدًا من المنافسة بين الجامعات الأردنية ، منافسةً لا تقوم على الإستعراض ، ولا على التصريحات ، ولا على ترتيبٍ مؤقت في مؤشرٍ هنا أو هناك ، وإنما على سؤالٍ أكثر أهمية :
ماذا أضافت هذه الجامعة إلى الوطن ؟
وماذا فعلت تلك الجامعة لتطوير مناهجها ؟
كم برنامجًا أكاديميًا أصبح أكثر إرتباطًا بسوق العمل ؟
كم طالبًا تخرج وهو يمتلك مهارةً حقيقية إلى جانب الشهادة ؟
كم مشروعًا بحثيًا تحول إلى إبتكارٍ أو منتجٍ أو خدمة ؟
كم شراكةٍ عقدتها الجامعة مع القطاع الخاص ؟
وكم فرصةً أوجدتها أمام طلبتها للتدريب والعمل والريادة ؟
هذه هي المنافسة التي نريدها ، منافسة الإنجاز ، ومنافسة الجودة ، ومنافسة تخريج الإنسان القادر على صناعة مستقبله ومستقبل وطنه .
القوانين والأنظمة ليست نصوصًا على الورق
ولعل أول إختبارٍ حقيقي لمجالس الأمناء الجديدة سيكون في مدى قدرتها على تفعيل القوانين والأنظمة النافذة ، وليس الاكتفاء بتفسيرها أو التعامل معها بإعتبارها إجراءاتٍ إدارية .
فالأنظمة الجامعية عندما وُضعت ، لم توضع لتكون قيودًا على الإبداع ، وإنما لتوفير إطارٍ مؤسسي يضمن العدالة والكفاءة والمساءلة وحسن الإدارة .
وإذا كان لدينا تشريعٌ يسمح بتطوير البرامج ، وتعزيز البحث العلمي ، وإستقطاب الكفاءات ، وبناء الشراكات ، وتشجيع الإبتكار ، وربط التعليم بسوق العمل ، فإنّ السؤال يصبح : لماذا لا نذهب إلى أقصى ما تسمح به هذه التشريعات من أجل تطوير جامعاتنا ؟
فالجامعة التي تمتلك القانون ولا تستخدم أدواته في التطوير ، تشبه من يمتلك مفتاحًا لبابٍ واسع ثم يظل واقفًا أمامه ينتظر أن يُفتح من تلقاء نفسه .
من الجامعة التي تمنح الشهادة … إلى الجامعة التي تصنع الكفاءة
لقد أصبح من الضروري أن نعيد النظر في مفهوم النجاح الجامعي .
لم يعد كافيًا أن نقول : إنّ الجامعة خرّجت آلاف الطلبة ، وإنما علينا أن نسأل : ماذا يمتلك هؤلاء الخريجون بعد التخرج ؟
هل يمتلكون القدرة على التفكير النقدي ؟
هل يستطيعون التواصل باللغة العربية بصورةٍ سليمة وباللغة الإنجليزية وفق متطلبات تخصصاتهم ؟
هل يمتلكون المهارات الرقمية ؟
هل يستطيعون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورةٍ أخلاقية وفاعلة ؟
هل يستطيع طالب الإعلام أن يمارس الإعلام الرقمي فعلًا ، لا أن يعرف تعريفه فقط ؟
وهل يستطيع طالب الهندسة والطب والقانون والإدارة وتكنولوجيا المعلومات وسائر التخصصات أن ينتقل من المعرفة النظرية إلى التطبيق العملي ؟
هنا يكمن التحدي الحقيقي .
فالجامعة الناجحة ليست التي تملأ عقل الطالب بالمعلومات ، وإنما التي تفتح أمامه أبواب المعرفة ، وتعلّمه كيف يفكر ، وكيف يبحث ، وكيف يحلل ، وكيف يبتكر ، وكيف يعمل .
رئيس مجلس الأمناء … مسؤولية تتجاوز رئاسة الإجتماعات
إنّ وجود أصحاب الدولة والمعالي على رأس مجالس الأمناء يضع أمامهم مسؤوليةً وطنيةً كبيرة ، لأنّ المجتمع ينظر إليهم بإعتبارهم أصحاب تجربةٍ طويلة في إدارة مؤسسات الدولة وصناعة القرار .
ومن هنا ، فإنّ المطلوب ليس فقط أن يحضر رئيس مجلس الأمناء إجتماعًا دوريًا ، وإنما أن يكون صاحب رؤيةٍ للجامعة التي يرأس مجلس أمنائها .
نريد أن نرى مجالس أمناء تضع مؤشراتٍ واضحة للإنجاز ، وتراجع أداء الجامعات بصورةٍ دورية ، وتسأل الإدارات الجامعية عن الخطط والنتائج ، وتكافئ النجاح ، وتعالج الخلل ، وتدفع نحو الإبتكار.
نريد مجلس أمناء يقول لرئيس الجامعة :
أين ستكون جامعتنا بعد خمس سنوات ؟
وما التخصصات التي ستحتاج إليها المملكة ؟
وما الذي سنفعله في الذكاء الاصطناعي ؟
كيف سنرفع جودة البحث العلمي ؟
هل ستبقى الإجازة العلمية لعضو هيئة التدريس لتحسين وضعه المالي من خلال عمله بجامعة أخرى ؟
كيف سنزيد فرص التشغيل لطلبة جامعتنا ؟ وهنا أذكر جامعة الأميرة سمية التي تتسابق المؤسسات المحلية والخليجية على التعاقد مع خريجيها وطلبتها حتى وهم على مقاعد الدراسة .
كيف سنجذب الطلبة من خارج الأردن ؟
كيف سنحوّل الجامعة إلى شريكٍ حقيقي في التنمية الإقتصادية والإجتماعية ؟
كيف يمكن لنا التشبيك مع الجامعات الأجنبية العالمية
هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تكون على طاولة مجالس الأمناء.
والأهم … لا بد من تحرير الطاقات الجامعية
لا يمكن لأي جامعة أن تتقدم إذا ظلّ المبدع فيها يشعر بأنّ جهده لا يختلف عن جهد غيره ، أو إذا بقيت الخبرة والكفاءة أسيرة الإجراءات البيروقراطية .
إنّ الجامعات الأردنية تزخر بأساتذة وباحثين وإداريين وطلبة يمتلكون طاقاتٍ كبيرة ، وما تحتاجه هذه الطاقات هو بيئةٌ مؤسسية تحفّزها ، وتمنحها الفرصة ، وتحاسبها على الأداء ، لا على العلاقات .
فالتميز لا يولد من المجاملات ، ولا من المحسوبيات ، وإنما من تكافؤ الفرص والجدارة والمساءلة .
لنضع معيارًا واحدًا للحكم على الجامعات
أعتقد أنّ المرحلة المقبلة تحتاج إلى معيارٍ واضح وبسيط :
ماذا أنجزت الجامعة ؟
لا نريد أن نقيس الجامعات بعدد المباني فقط ، ولا بعدد الإحتفالات والمؤتمرات ، ولا بعدد البيانات والمنشورات .
نريد أن نقيسها بعدد البرامج النوعية ، وبراءات الإختراع ، والأبحاث المؤثرة ، والشراكات المنتجة ، ونسب تشغيل الخريجين ، ومستوى المهارات التي يمتلكها الطلبة ، وقدرة الجامعة على خدمة المجتمع ، وحضورها الحقيقي في الإقتصاد الوطني .
وعندما تصبح هذه المؤشرات هي معيار المنافسة ، فإنّ كل رئيس مجلس أمناء سيشعر أن عليه أن يترك بصمةً واضحة في الجامعة التي أُسندت إليه مسؤولية الإشراف عليها .
رسالة إلى رؤساء مجالس الأمناء الذين نقدر ونجل
نحن أمام فرصةٍ تاريخية .
فإما أن تكون هذه المرحلة مجرد تغييرٍ إداري في المواقع ، وإما أن تتحول إلى بدايةٍ لمرحلةٍ جديدة في التعليم العالي الأردني .
وإذا دخلت الجامعات في منافسةٍ حقيقية على الجودة والإبتكار والبحث العلمي والمهارات والتشغيل ، فإنّ المستفيد الأول لن يكون الجامعة وحدها ، وإنما الأردن كله .
نريد جامعاتٍ تتنافس على أن تكون الأفضل ، لا الأكثر ضجيجًا .
وجامعاتٍ تتسابق على صناعة العلماء والمبدعين والمهنيين ، لا على تخريج أعدادٍ جديدة فقط .
وجامعاتٍ تقيس نجاحها بما يحققه خريجوها في ميادين العمل والحياة ، لا بما يُكتب عن إنجازاتها في نشراتها الإعلامية .
ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله مجالس الأمناء الجديدة هو أن تجعل كل جامعةٍ تقول للأخرى :
دعينا نتنافس … ولكن على خدمة الأردن ، وصناعة الإنسان ، وإنتاج المعرفة ، وبناء المستقبل .
فإذا حدث ذلك ، فإنّ تولّي أصحاب الدولة والمعالي رئاسة مجالس الأمناء لن يكون مجرد قرارٍ إداري ، بل قد يكون نقطة تحوّلٍ حقيقية في مسيرة التعليم العالي الأردني .
وحينها لن يكون السؤال : من يرأس مجلس الأمناء ؟
بل سيصبح السؤال الذي ينتظره الأردنيون جميعًا :
ماذا صنع هذا المجلس لجامعته ، وماذا صنعت جامعته للأردن ؟
وهنا فقط ، يكون التميّز إنجازًا يُرى ، لا شعارًا يُقال .
وأخيرا حبذا لو كان مع أصحاب الدولة والمعالي رؤساء المجالس من الشباب حتى يتعلموا من خبرات هذه القامات وتجاربهم .رؤساء مجالس الأمناء الجدد … هل تبدأ الجامعات الأردنية سباقًا نحو التميّز ؟