التاريخ : 2014-12-11
كلمة المصري في ذكرى وصفي التل
الراي نيوز-رعى دولة السيد طاهر المصري الأمسية التي اقامها آل حجازي في مضافتهم في مدينة إربد مساء يوم الاثنين الموافق 8 / 12 / 2014 إحياء لذكرى استشهاد المغفور له الشهيد وصفي التل. وفيما يلي أبرز المحاور التي تطرق لها السيد المصري خلال حديثه بهذه المناسبة:
الشهيد وصفي التل ، واحد من قادة سياسيين كبار ، فرضوا حضورهم في الذهنية العامة لشعوبهم بعد رحيلهم . ولهذا بالطبع مبرراته التي شكلتها شخصيات أولئك القادة السياسيين خلال حياتهم . وهي مبررات ترتبط طبيعياً ، بالظروف التي تولوا فيها مراكز العمل العام من جهة ، وبقدراتهم مع التحليل مع تلك الظروف ، من جهة ثانية .
كانت شخصية الشهيد وصفي التل ، تجمع بين مساريين متلازمين لا تناقض بينهما ، فهو رحمه الله ، قومي عربي إنخرط في القضية العربية عموماً ، والقضية الفلسطينية بشكل خاص ، وفق رؤية قومية واضحة ، وهو وطني إردني ، يؤمن بحتمية أن يكون الوطن القومي ، هو المرحلة الاولى نحو العمل القومي العروبي القومي كذلك .
كان الشهيد وصفي التل واضحاً تماماً في قناعاته ومنطلقاته السياسية ، ولا يتردد في إعلانها على الملا ، لشدة إيمانه بها ، ولهذا فقد شكل ذلك مصدر خلاف له مع آخرين كانت لهم رؤاهم الخاصة بهم .
إنطلقت رؤيـــة الشهيد وصفي التل للمشهد العربي عموماً ، والاردني خصوصاً ، من العناية بالأرض والإنسان ، وبناء القاعدة الوطنية الراسخة والقوية المستندة إلى مبدأ التواصل المباشر والمستمر مع جمهور الموطنين ، وحثهم على العمل والاعتناء بالارض الزراعة ، وصولاً إلى الإكتفاء ، وعدم الركون إلى المساعدات الخارجية ، فقد كان لديه تصور واثق بأن الأردن قادر على بناء ذاته بقوة إعتماداً على إنسانه وموارده . والتالي يصبح قادراً على وقف قضايا الأمة ، وبالذات ، القضية الفلسطينية ، والتي كانت تسمى آنذاك ، قضية فلسطين بكل أسباب الدعم والإسناد .
تشكلت شخصــــية الشهيد وصفي التل ، من مزيج يجمع بين العسكرية المنظمة ، والمقاومة الشعبية الجهادية ، والعمل السياسي ، وحب الأرض ولهذا فهي شخصية جامعة طبعت حياته كلها ، بالثقة المطلقة بالذات . فقد التحق بجيش الانقاذ ، وبالمقاومة الشعبية ، ومارس الزراعة على أصولها وشغل مناصب عديدة أبرزها ، رئيس وزراء .
لم يكن الشهيد وصفي التل قطرياً منغلقاً ، بل كان وطنياً مخلصاً ، ولم يكن منحازاً للعروبة متعصب ، بل كان قومياً مخلصاً كذلك . وكان واقعياً في كل الأحوال، كما كانت له رؤيته بشأت العمل الفدائي آنذاك . اراده عملاً مستقلاً لا شأن له بالشؤون الداخلية للدول ، سواء في الأردن أو غيره ، لكن الأمور سارت في غير ما أراد ، وصارت الفوضى هي الطابع الملحوظ ، ولهذا كان له رأيه الصريح والواضح في هذا الشأن .
كان الشهيد يؤمن بالعمل العربي الجماعي لتحرير فلسطين ، وله تصوره المعلن على هذا الصعيد . وكان من أشد المعارضين لدخول الأردن حرباً غير متكافئة القوة عام 1967 ، ولقد حذر بصدق آنذاك من أن دخول الأردن تلك الحرب ، ستكون سبباً في احتلال الضفة الغربية القدس ، وهكذا كان ، فلقد دخل الأردن الحرب بكامل قوته ، كي لا يحمله العرب مسؤولية الهزيمة إن هو أحجم عن دخول الحرب ، وهي تهمة كانت جاهزة سلفاً في ذلك الزمان العربي غير المنسق والمليء بالخلافات والمشاحنات .
بعد حرب عام 1967 ، كان رؤية الشهيد وصفي التل ، تقوم على مبدأ الاعداد والاستعداد لتحرير فلسطين ، ولكن من خلال قوة عربية مشتركة قادرة على إنجاز المهمة ، وحمل تصوره ذاك إلى اجتماع وزراء الدفاع العرب في القاهرة حيث إستشهد هناك .
وبالمناسبة ، لا بد من تأكيد حقيقة جرى تشويهها ، وهي أن أحداُ عام 1970 في الاردن ، لم تكن حرباً أهلية أبداً كما قد يفهم البعض ، وإنما كانت صداماً بين جيش يريد حماية السلطة الرسمية ، وحركات فدائية مسلحة تداخلت فيها المهمات والممارسات ، وبصورة شكلت خطراً على الدولة وعلى النظام العام فيها .
ذكرى إستشهاد المرحوم وصفي التل ، هي في تقديري ، مناسبة تدعونا جميعاً إلى إستلهام العبر والدروس من تاريخنا العربي بعامة ، وأول تلك العبر ، هي حتمية توحيد صفنا الوطني وبقوة ، حماية للوطن ، وصوناً لوجوده ، وتعظيمـــاً لقدراته في مواجهة المخاطر المحدقة ، وأهمها في نظري ، المخططات الإسرائيلية الرامية إلى إقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وبالكلية . وتهويد القدس وسائر فلسطين وما مخطط الدولة القومية اليهودية ، ألا البوابة الأوسع نحو هذا الخطر الكبير الى جانب المخاطر المحيطة بنا من كل جانب ..... نعم ، هذا يتطلب منا وبوضوح ، الذهاب في الإصلاح الشامل إلى أبعد الحدود ، سياسياُ واقتصادياً واجتماعياً ، تحصيناً للمجتمع من كل المؤثرات ، وإتاحة الفرص للجميع للمشاركة الفاعلة ، على قواعد المواطنة والوطنية التي تكفل الحرية والعدالة والمساواة وسيادة الدستور والقانون وعلى الجميع .
مرة أخرى ، لم يكن الشهيد وصفي التل رحمه الله قطرياً متقوقعاً على ذاته أبداً ، وإنما كان وطنياً يؤمن بأن ممارسة العمل القومي بوابتها الوطن القوي ، وكان كذلك من أكثر المخلصين للقضية الفلسطينية، وحتمية تحرير فلسطين من أيدي غاصبيها ، ولكن بجهود منظمة وطنياً وعربياً لا مكان فيها للترجمة أو أسلوب ' الفزعة ' البعيد عن الاعداد والاستعداد .
رحم الله الشهيد وصفي التل ، وسائر شهداء الأمة ووفقنا الله جميعاً في الدفاع عن الأردن العزيز في ظل قيادته الهاشمية ، ورمزها جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم ، وأعاننا سبحانه على مواصلة الوفاء لفلسطين وقضيتها العادلة ، ورفع الظلم عن أهلها الصابرين تحت سطوة المحتل وجرائمه المستمرة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .