الراي نيوز - يوسف غيشان
على زماننا،قبل عقود، كانت الكتب المدرسية كثيرة،ولم يكن بالإمكان قراءتها كلها، لذلك كان المعلم يقوم خلال الحصص المدرسية بإلغاء بعض الفصول والصفحات والفقرات من الكتب المدرسية، وكان يقول لنا: نطزوا عنها.
والتنطيز كلمة لا اعرف أصولها اللغوية، لكننا كنا نفهم من قول الأستاذ أن هذه المواد ينبغي عدم قراءتها و(التنطيز عنها) أو (التفشيق عنها) في بعض المناطق، ولن تكون جزءا من الإمتحان، ولن يسالنا عنها أحد.
وكذا نشأت صفحات مطلوبة وصفحات تنطيز.... وكان الواحد منا يسأل الآخر.. الفقرة كذا.. علينا والا تنطيز؟؟؟ واستمررنا في الدراسة حتى تخرجنا ونحن نعرف اننا نطزنا عن هذه المواد، لأن الأستاذ ينوي ان يستريح، ونحن نفرح للتقليل من كمية المواد المطلوبة منا بالتنطيز عنها، ولم نكن نأبه الى أن هناك معلومات كثيرة ومعارف أكثر خسرناها باعتماد سياسة التنطيز.
وقد انتقلت معنا سياسة التنطيز هذه الى الجامعة، والى المطالعة اللامنهجية، والى الكتابة، والى الحياة العملية، والى الوظائف الرسيمة والى الممارسات الإجتماعية ..بالمختصر الى كل شئ ..حيث صارت حياتنا كلها تنطيز في تنطيز في تنطيز!!
وصار التنطيز موهبة تتمتع بها الشعوب كما تتمتع بها الحكومات المناوبة، التي ابتكرت أساليب عبقرية في فنون التنطيز، لم تخطر في بال (ولا سيجام) إنس ولا جن ولا فودكا.ومع ذلك لم يشعر الشعب (نحن) بأن الحكومة تقوم بممارسات خاطئة، لأنهم عودونا عليها منذ الصفوف الإبتدائية،.
لاحظوا ان الحكومات المتعاقبة قد قامت بالتنظيز عن مراحل كبيرة وعن قفزات عملاقة قامت بها الصناعات الأردنية، منذ تأسيس الإمارة حتى الان، وانفردت الحكومات بصناعة الفساد فقط لا غير، كمصدر للدخل .
لاحظوا أيضا ان الحكومات، من كتاب الرد حتى كتاب الإستقالة، تركز على الفساد وتنطز عن الفاسدين، الا بعض المحروقين، ضمن معارك صراع قوى الفساد، لذر العمى في العيون .
وقد قامت الحكومات بالتنطيز عن قضية موارد لتركز على قضية ميناءالعقبة، ثم التنطيز عن ميناء العقبة للتركيز على الفوسفات، والتنطيز عن الفوسفات لصالح البورصات الوهمية، ثم التنطيز عن البورصات الوهمية للتركيز على الأسمنت، ثم التنطيز عن الأسمنت لصالح التركيز على سكن كريم، والتنطيز عن سكن كريم للتركيز على الملكية الأردنية، والتنطيز عنها لصالح تاجيز اراضي الديسي، ثم التنطيز عن الأخيرة لصالح التركيز على فضائح الإتصالات، ثم التنطيز عنها لصالح الباص السريع، ثم التنطيز عن الباص لصالح التركيز على فساد أمانة عمان، ثم التنطيز عنها لصالح التركيز على أمانة عمان، والتنطيز عن أمانة عمان لصالح التركيز على المصفاة، ثم التنطيز عن المصفاة لصالح التركيز على التفريط بأراضي الدولة لصالح المتنفذين، ثم التنطيز عن الأخيرة لصالح التركيز على قانون الصوت الواحد.
بالتأكيد فقد قمت أنا شخصيا بالتنطيز عن بعض قضايا الفساد للتركيز على قضايا اخرى..... ألم اقل لكم انا نعيش في ظل صاحبة الضلالة: حكومات التنطيز!!!!