القى دولة رئيس مجلس الاعيان طاهر المصري محاضرة في كلية الدفاع الوطني اليوم بعنوان "إدارة الدولة الأردنية، بين النظرية والتطبيق" واليكم ما جاء بالمحاضرة :
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرات الأعزاء،،،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويسرني، أن أتحدث مع هذه النخبة المحترمة. فالحديث معكم، يعني حواراً مع كرام يتمتعون بميزة الانضباط والدقة والالتزام، وهي ميزة يعود الفضل فيها للمؤسسة العسكرية، التي تأخذ على عاتقها، غرس هذه الفضيلة في ذهنية منتسبيها. فلكم جميعاً، أُردنيين وضيوفاً أعزاء، التقدير والاحترام. وللأخ آمر الكلية، وزملائه الكرام، الشكر على الدعوة.
إن الحديث في موضوع المحاضرة، "إدارة الدولة الأردنية، بين النظرية والتطبيق"، يقودنا ابتداءً، إلى استعادة البدايات والظروف التي واكبت قيام الدولة، وأثر تلك الظروف في مسيرتها الشاملة، إن سلباً أو إيجاباً. ولكي لا تختلط الأمور، فسأجعل حديثي في نقاط محدده:-
أولا: كان نشوء الدولة الأردنية مطلع القرن الماضي، ثمرة للثورة العربية الكبرى، ونواة للحلم القومي والديني، العربي والإسلامي آنذاك، عندما تداعى أحرار الأمة، للثورة من أجل الحصول على الاستقلال للعرب في بلادهم، بزعامة شريف مكة، الحسين بن علي، رحمه الله.
ثانياً: هذا يعني أن القرار التاريخي باندلاع الثورة، كان قراراً قوميا بامتياز، ودينيا بامتياز كذلك. فالهدف هو إقامة دولة العرب الموحدة المستقلة بزعامة دينية ومنطلقها مكة المكرمة والأراضي المقدسة، بديلا للدولة العثمانية، والتي كان حكمها يتداعى تباعاً، وكانت الدول الكبرى تتطلع لوراثتها. وعندما انحرفت تلك الدولة عن مسارها الصحيح، وشرعت باتباع سياسات طمس الهوية القومية العربية، وجاءت الثورة، رداً عملياً على ذلك الواقع .
ثالثا: لم تكــــن الثورة العربية الكبرى، ثورةً ضد حاكم بمفاهيم اليوم، طمعاً في استحواذ سلطـــــة، وإنما كانــت وبوضوح، ثورة ضد نهج حكم ظالــــم. ولهذا فقد حارب العرب إلى جانب الحلفاء، أملاً في تحقيق حلم الدولة الكبرى، واستناداً إلى وعود أولئك الحلفاء، بدعم تحقيق ذلك الحلم، بعد إحقاق الاستقلال العربي .
رابعاً: نكث الحلفاء بوعودهم بعد سقوط الدولة العثمانية، وذهبوا بدلاً عن ذلك، إلى تجزئة البلاد العربية، إلى دول عده، خلافاً لما أتفق عليه، وخلافاً لأماني الأمة وأحرارها الذين التفوا حول الثورة، أملاً في بلوغ الهدف الأكبر، وهو دولة عربية إسلامية كبرى. واضطر الهاشميون قادة الثورة، وفي ظل التباين الصارخ في ميزان القوة، إلى القبول بالأمر الواقع، دون التخلي وجدانياً عن حلم الأمة وأحرارها. وفي اعتبارهم، ان الدولة الأردنية، ستكون نواة لذلك الحلم الذي كان. وهنا استذكر مع كثيرين غيري، أن شريف مكة الحسين بن علي، زار الأردن عام 1924، وجرت مبايعته في مدينة السلط، خليفة للمسلمين، من قبل العديد من زعماء القبائل وأحرار العرب، وهناك وثيقة تاريخية تؤكد ذلك، محفوظة في مركز المخطوطات بالجامعة الأردنية.
خامساً: بدأت الدولة الأردنية مسارها منذ العشرينيات من القرن الماضي، بذهنية الدولة النواة، للدولة الحلم. ومن يتتبع تاريخ الدولة الأردنية منذ نشأتها وإلى اليوم، يلحظ بوضوح، أن الأردن لم يجنح أبدا نحو مربع الدولة القطرية، إلا بعد انحسار المدد القومي العربي بصورة جلية، واشتداد مخاطر المخطط الصهيوني، الرامي إلى ابتلاع الأرض العربية، رقعة بعد أخـــرى. ويلاحظ أيضاً أن رؤساء وأعضاء السلطات الأردنية وهيئاتها المدنية والعسكرية، كانوا عرباً ومسلمين، منهم أردنيون من حيث الأصل بمفاهيم اليوم، وأردنيون من أصول أخرى كذلك، ولو استعرضنا الأسماء تاريخيا، لوجدنا الساسة والقادة أتوا من مختلف أرض العرب والمسلمين، في بلاد الشام، والجزيرة العربية وسواها، وفي ذلــك دلالة مؤكده، على قومية الدولة الأردنية، وابتعادها عن النزعة القطرية الضيقة، في مختلـف مراحل تاريخها. فالهاشميون ورثة رسالة عظيمة، والأردنيون ومن سائر المشارب والأطياف، هم من أكبر الداعمين بين العرب والمسلمين لمنهجية المد القومي العربي والإسلامي. وهنا تجسدت حالة الانسجام السياسي والفكري والذهني، بين قيادة ذات نهج قومي شامل، وشعب مؤمن بهذا النهج. وعلى هذا الأساس، نشأت كذلك خصوصيات الدولة الأردنية، مثلما بدأت مسيرتها، وفق منهج دولة المؤسسات والقانون، وكانت تلك بداية طيبة للدولة، أثرت فيها الخبرة الإدارية لشخصيات رفيعة تولت الحكم وعُـرف عنها تأثرها بالثقافة الإدارية والسياسية البريطانية. هذا فضلاً عن إشـراف ضبـاط وموظفيـن بريطانيين، على تنظيـم العمل الإداري في الدولة. وكانـت التشريعـات في حينه من أفضـل التشريعات بما فيهـا دستـور عـام 1952، ولا زالت شواهد هذه التشريعات ماثلة أمامنا.
سادساً: إن الحديث عن مرحلة البدايات، لابد وأن يقودنا إلى التأكيد على حكمة وبعد نظر الملك المؤسس ورجاله. فقد كانوا رفعة في سمو الفكر، والتسامي فوق المثالب، وارسوا دعائم الحكم لدولة ناهضة جامعة، دولة مؤهلة مؤسسياً، للتغلب على سائر المحددات القطرية، أو الجهوية، أو أي شكل من أشكال الردة السياسية عن الأساس. دولة المواطنة الحقة لا مكان فيها للمحاصصة والاستئثار، أو محاولة إلغاء الآخر، وقادرة في الوقت ذاته، على محاكاة نمط الدولة العصرية القابلة للتطور، في كل لحظة، وهو نمط أخذ في التبلور أوروبياً، في أعقاب الثورة الفرنسية. وكان من أهم نتائج هذه الثورة أنها أنهت مفهوم أو مبدأ ان شخصاً ما أو عائلة ما تملك الأمة. ودفنت مقولة (أنا الدولة والدولة أنا) إلا في بعض بلدان العالم الثالث. وأصبح مفهوم (الأمة مصدر السلطات) هو المفهوم الذي يسيّر كل الدول والنظم الديمقراطية. وتطور مفهوم الدولة عبر العقود، وصولاً إلى حقبة ما بعد الدولة القطرية، وبالذات في منطقة حيوية مثل أوروبا. فدول الاتحاد الأوروبي تخلت عن بعض من سيادتها لصالح دولة الاتحاد. وتطوير مفهوم الدولة الجامعة مستمر في جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية. وسوف نجد بعد عقود قليلة أن هناك دولة شبه فدرالية هويتها أوروبية. هذا إذا صمد الاتحاد الأوروبي أمام المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها. وكان قد سبق ذلك بقليل اختراق بعض القضايا مثل قضايا البيئة وحقوق الإنسان والديمقراطية والتجارة الدولية والعولمة اختراقها للحدود، ولم تعد خاضعة بالكامل لمفهوم سيادة الدولة الوطنية.
سابعاً: وبرغم شراسة الهجمة الصهيونية الاستعمارية، وما ألحقته بهذا الجزء من أرض العرب، من ويلات وهجرات ونكبات، فقد صمد الأردن بمفاهيمه القومية، وتحققــــت وحــدة نبيلة الهدف والمحتوى بين الأردن وجزء من فلسطين، وهي وحده لم يكن بمقدورها أن تصمد وتستمر، بسبب تداعيات القضية الفلسطينية، وبشاعة المخطط الصهيوني، الرامي إلى شطب الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني، وابتلاع المزيــد من الأرض، وإقامة إسرائيل الحاضرة، وصـولا إلى حلم إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، وفق ما يرمز إليه العلم الإسرائيلي حالياً .
حضرات الأعزاء،،،
بوضوح تام، يمكن القول أن الإدارة الأردنية بمفاهيمها الشمولية، وبرؤاها القومية والإنسانية، وبموروثها الحضاري والتاريخي، هي نظرياً، إدارة ناجحة ومنتجة، وحققت نجاحات عديدة، من حيث:-
محاكاتها لمشاعر الإنسان العربي، الطامح للحرية والتحرر والاتحاد، فالأردن وليد حالة شورويه، والملك المؤسس عبدالله الأول، رحمه الله، أسس لدولة قومية، لا مجال فيها للعنصرية أو القطرية الضيقة ، وإنما هي حالة أوسع وأرحب وأشمل، وعلى هذا الأساس، تشكلت ذهنية الأردنيين، وبالذات جيل الرعيل الأول، الذي واكب عهود الاستعمار، والغزو الصهيوني وحروبه الظالمة ضد فلسطين، والأرض العربية.
نزعتها الذهنية نحو بناء الدولة العصرية، وأساسها الحرية والعدل والمساواة واحترام الحقوق، وبناء المؤسسات والقرار المؤسسي. وما الحراك السلمــــي الشعبي الأردني الراهن، والمطالب بتأصيل هذه القيم، إلا الدليل الأنصــــع على وجود هذه الذهنية الطيبة، برغـــم المؤثرات الإقليميــة والدولية، ذات الانعكاس السلبي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، على مسيرة الدولة الأردنية.
شخصيـاً، أؤمن بأن منظومة متكاملة، من المخاوف والهواجس والشكوك والجهل، هي من يجنح بالدولة الأردنية نظرياً في بعض الأحيان، نحو التراجع عن الإقدام في إتباع سياسات تؤمن بها وبوجاهتها، وهي منظومة سلبية تُعـزز وجودها وللأسف، المطامع الإقليمية والدولية في جانب، وندرة الموارد وصعوبة الظرف الاقتصادي في جانــب آخر، وأولئك الذيـــن لم يؤمنوا بعـد، بحقيقة أن الزمـن في تغير مستمر. وأن النابهين وحدهم، هم من يملكون القدرة على قراءة الواقع، واستشراف المستقبل، بعقول نيرة، وقلوب فقيهة. فيسارعون إلى التحلل من بعض المفاهيم الجامدة، وصولاً إلى بناء الدولة الجامعة، بهويتها الوطنية الراسخة، وثوابتها الأصيلة، ومبادئها السامية، ولمصلحة مواطنيها كافة، وعلى قواعد الحرية والمساواة. وترسيخ نهج الدولة العصرية، المستندة إلى تجذير القانون والمؤسسية، وتعزيز مبدأ الشراكة المجتمعية على هذا الأساس، باعتبار أن الوطــن، قيمة سامية في صدور مواطنيه، وهي قيمـة يتشارك في امتلاكها، سائر مواطنيـه بلا استثنــاء، ولامجال للتردد في الوفاء لها.
لا أعتقد أبداً بأن التطبيق شأن صعب، أو هو بالمستحيل، أبداً، فالإدارة الأردنية وأكثر من سواها، قادرة بما تملك من مقومات راسخة، على التطبيق الآمن والسليم، لكل الأفكار العظيمة، والرؤى السديدة. وهي بذلك تقوي الوطن، وتحصن المسيرة في مواجهة التحديات، عندما تستند في نهج التطبيق، إلى المبادئ النبيلة التي ينادي بها دستور الدولة، بمعزل تام عن الهواجس والمخاوف، وبأسلوب عصري متدرج ، يؤمن بأن الإصلاح والتطور نحو الأفضل، لا يكون بالقفز في الظلام، وإنما بتدرج يحاكي إرادة الشعب، وبشفافية تحظى باحترام الجميع، وبنزاهة ضامنة للمخرجات الصحيحة، وبمؤسسية تعبر عن مفاهيم وسياسات ونهج تقرره الأكثرية وتحترمه الأقلية. إن مؤسسية الدولة هي ركن أساسي من الدولة العصرية الديمقراطية. وأقول بوضوح وبقناعة كاملة أن مفهوم الانتماء، لابد وأن يكون انتماءً للوطن والدولة أولاً، ولابد وأن يكون هذا الانتماء، هو المظلة التي تندرج في إطارها وتأتي بعدها، سائر الولاءات الأخرى، سواء للمنطقة أو الإقليم أو العائلة أو العشيرة، وهذا هو في تقديري، مفهوم الدولة الذي يجب أن نعمل جميعاً على تحقيقه، وبأمانة وإخلاص، وليس بالشعارات الفاقدة لمضمونها، فجميـــع الــولاءات، لا بد وأن تنضوي أمام الولاء للوطن الجامع، وهنا أود أن أُشيرْ، إلى حتمية إدراك أن هناك فرقاً بين العشيرة والعشائرية، فالعشيرة مؤسسة محترمة وضرورة اجتماعية وكلنا نستظل بظلها، ومن الخطأ بالطبع، تحويلها إلى وحدة سياسية. وكما نرفض تسييس الدين، نرفض تسييس العشيرة .
عمومـاً حضرات الأعزاء.. لم ولن أفقــد الأمل بالمسيـرة، فالظـروف صعبـة، هذا صحيح، والدولة الأردنية وعبر تاريخها كله، كانت دوماً الدولة الأصلب في مواجهة التحدي، فقد خرجنا من كل الحروب والنكبات والمؤثرات، التي ضربت مخططاتنا للإصلاح والتطوير، أكثر قوةً وصلابهْ، وظل نظامنا السياسي الأردني، وبرغم كل ذلك وسواه، بقي النظام متماسكاً. ومن يتابع مجريات الأحداث والتطورات في الزمن الراهن، يدرك أن هذا واقع يدفعنا ويحفزنا، نحو استلهام مبادئنا ورؤانا التي أشرت إليها، والإقدام الواثق نحــو التطبيق الجاد دون وجل، فما بناه الآباء والأجـــداد على أســس صحيحة، يجب أن نحافظ عليه. ولست أشك ولو للحظة، في أن ذلك هو الأفضل، لأن الانتظار والخضوع لحسابات الشكوك، لم يعد في مصلحتنا أبدا، وتاريخ بلدنا عامر بالقـــــــرارات والإجــراءات التاريخية الكبرى، في زمن راهـــن فيه مراقبون كثر، حتـى على وجـــود بلدنـــا، ومع ذلك خابـــت رهاناتهم بحمد الله، وها نحــــن اليوم أفضــــل بكثيـــــر من غيرنا.
والسلام عليكم ورحمة الله
طاهر المصري