رصد
العنوان الأصلي لهذا الكتاب هو "يوسيف نحماني: رجل الجليل". . . أما عنوانه بالعربية فصار "مذكرات سمسار أراضٍ صهيوني"، وهو من وضع المترجم.
وكان من الملائم لو تُرك عنوان الكتاب كما هو بالعبرية، لأنه، كما يلوح لي، أكثر دقة؛ فهو يوميات Diaries وليس مذكرات Memories أو حتى سيرة ذاتية Autobiography. والنصوص الأصلية التي تركها يوسيف نحماني لم تنشر كاملة في هذا الكتاب، بل قام صديقه يوسيف فايتس بانتقائها وتحريرها.
وفي الترجمة العربية حُذف الجزء الأول وهو مراثٍ كتبها فيه أصدقاؤه ومعارفه (ص 8). والكتاب ثلاثة أقسام: الرسائل ثم اليوميات ثم بعض المدونات.
تغطي هذه اليوميات الفترة الممتدة بين سنة 1935 وسنة 1949، بينما تتسع الرسائل لتشمل عدداً من الوقائع التي جرت منذ سنة 1912 إلى ما بعد النكبة صعوداً حتى سنة 1964. ومشكلة الكتاب، مثل مشكلة جميع كتب اليوميات. هي أن جزءاً كبيراً من التفصيلات التي تكون مهمة في أوانها تصبح، بمرور الزمن، بلا أهمية.
المصادر الشحيحة
ما زالت قصة بيوع الأراضي في فلسطين، حتى اليوم، سائرة في الأفواه والأقلام من دون أي تبصر أو تمحيص، بل إنها باتت تهمة شائنة وُصم بها اللاجئون الفلسطينيون أينما حلّوا. ومع أن أربعاً وستين سنة قد مضت على النكبة، وصار من البدهي أن يكون أي عربي عارفاً تفصيلات هذه القضية بدقة، إلا أن الجهل حيناً، والعنصرية أحياناً، والكيدية في كثير من الأحيان، كان لها شأن كبير في استمرار الغموض الذي تجلببت به عمليات بيع الأراضي، ولم تنقشع غشاوة هذه القضية بتفصيلاتها كلها حتى اليوم.
ولعل من أسباب ذلك أن المصادر الدقيقة والعلمية غير متاحة تماما، وهي قليلة جداً في أي حال، وبعضها مجرد نُقول، حتى بالأغلاط الرقمية، عن مصادر سابقة.
وليس بين أيدي القراء العرب إلا مصادر أولية في هذا الشأن مثل كتاب صالح مسعود أبو يصير ("جهاد شعب فلسطين"، بيروت: دار الفتح، 1968)، وكتاب هند أمين البديري ("أراضي فلسطين"، القاهرة: جامعة الدول العربية، 1998)، وكتاب يعقوب الخوري ("أملاك العرب وأموالهم المجمدة في فلسطين"، القاهرة: دار الهنا، د. ت.)، وبعض كتابات سامي هداوي ومعظمها بالإنكليزية. أما المصادر الصهيونية المتاحة بالعربية فتكاد تكون معدومة أيضاً ما عدا كتاب جاك كانو ("مشكلة الأرض في الصراع القومي بين اليهود والعرب: 1917 ـ 1990"، حركة فتح ـ مكتب الشؤون الفكرية، 1992)، وكتاب تمار غوجانسكي ("تطور الرأسمالية في فلسطين" ـ ترجمة حنا ابراهيم، منظمة التحرير الفلسطينية ـ دائرة الثقافة، 1987)، وغيرها قليل جداً.
من المعروف أن المعلومات الإحصائية عن بيوع الأراضي الفلسطينية ما زالت متضاربة جداً. فثمة مصادر تذكر أن الصهيونيين امتلكوا حتى سنة 1948 أكثر من مليوني دونم. بينما تذكر مصادر أخرى أنهم امتلكوا 1,734 ألف دونم. وتذكر إحدى المقالات أن مجموع ما اشتراه الصهيونيون من الفلاحين الفلسطينيين مباشرة، أي باستثناء ما استولوا عليه من حكومة الانتداب وما اشتروه من المالكين الغائبين، لم يتعدَّ 68 ألف دونم.
تكمن أهمية هذا الكتاب في أنها تكشف ما صار مكشوفاً إلى حد بعيد، أي الطرائق المتعددة التي استعملها الصهيونيون الأوائل في استملاك أراضي الفلسطينيين، وفي اقتلاع الفلاحين منها، وهي وثيقة دامغة للمالكين الغائبين الذين لم يتورعوا عن بيع اليهود ممتلكاتهم، وتركهم الفلاحين العرب لأقدارهم.
ويورد الكتاب معلومات أولية عن بداية تنظيم «الدفاع» عن المستوطنات في سنة 1920 حين ظهرت شرطة الخيّالة بعدما تعرضت مستعمرات الجليل مثل مشمار هايردن لهجمات الفلاحين العرب (ص 46)، غير أن الكتاب يكشف أن الصدامات الأولى بدأت، لا مع الفلاحين العرب كما هو شائع، بل مع البدو الذين كانوا يستعينون بقبائل حوران للإغارة على المستوطنات في طبرية وجوارها، ولا سيما مستعمرتي دغانيا أودغانيا ب (ص 52).
أما كلمة "العرب" فهي ترد في هذه الترجمة بمعنى البدو أحياناً، وكان يجب ترجمتها إلى "الأعراب"، وأحياناً بمعنى المواطنين العرب. ويتحدث الكتاب أيضاً عن بدايات صناعة السلاح في "الييشوف" وكيف حاول الصهيونيون آنذاك ملاءمة الذخيرة التركية مع البنادق الألمانية التي كانوا يمتلكونها.
ويرسم الكاتب صورة واقعية غير زاهية للعمل الصهيوني في فلسطين تخالف الكلام التعبوي والأيديولوجي على الطلائع الأولى فيقول: "حياة الرفاق مسمومة. الواحد منهم لا يحتمل رفيقه، والعمل يسير من دون نظام" ( ص 40).
رجل الجليل
ولد يوسيف نحماني في روسيا في سنة 1891، وهاجر إلى فلسطين في سنة 1907. ولدى وصوله عمل في كروم القدس، وفي مستوطنة زخرون يعقوف، ثم انضم إلى حزب بوعالي تسيون (عمال صهيون).
وفي سنة 1911 انضم إلى منظمة هاشومير (الحارس) في الجليل، وبقي عضواً فيها حتى سنة 1920 حين التحق بالشرطة العبرية كشرطي خيّال. لكن الميدان الأبرز الذي برع فيه هو استملاك الأراضي لمصلحة "الصندوق القومي (الإسرائيلي)" (هكيرن هكييمت ليسرائيل)، فعين مديراً لمكتب الصندوق في طبرية الذي كان نطاق عمله يشمل الجزء الشرقي من الجليل، أي الحولة وغور الأردن الشمالي من بيسان إلى طبرية وسمخ وحتى مشارف صفد. وعلى الرغم من انهماكه في هذا الميدان الحساس، إلا أنه ظل محدود الأفق سياسياً، فلم يفهم لماذا كان دافيد بن غوريون غير متحمس لعمليات شراء الأراضي. والجـواب بسيط جداً؛ فبن غوريون بدأ يخـطط لاحتلال الأرض بالقوة العسكرية بعد تقرير لجنة بيل في سنة 1937 (وليس قرار لجنة بيل كما ورد في ص 14) الذي أوصى بتقسيم فلـسطين، ولم يكن يرغب في تبذير الأموال على عمليات استملاك متعبة ومحدودة (المقدمة، ص 12).
تمكن نحماني من تأسيس صداقات متشعبة مع الفلسطينيين، لكنه وظف علاقاته كلها في خدمة عمليات شراء الأراضي. ومن الأشخاص الذين ارتبطوا به بعلاقات متشعبة كل من خليل فرنسيس والمطران عقيل (اليد اليمنى للبطريرك الماروني آنذاك) والياس نمور (من بيروت) وعبد الحسين بزي (من بنت جبيل) وعبد الغني مارديني ونعيم شقير (من ميس الجبل) ونسيب غبريل (من حاصبيا) وعلي العبد الله وخليل فرحات وعادل بدير وغيرهم.
مَن باع الأرض؟